الشيخ محمد النهاوندي

30

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وإن لم يكن هناك قولا باللّسان ، ولذلك نظائر منها قوله تعالى : فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ « 1 » ، ومنها قوله تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 2 » فهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهورة في الكلام ، فوجب حمل الكلام عليه « 3 » . وقال بعض آخر من العامّة في توجيه الآية : إنّه من باب التّمثيل والتخييل ، نزّل تمكينهم من العلم بربوبيّته بنصب الدّلائل الآفاقيّة والأنفسيّة ، وخلق الاستعداد فيهم منزلة الإشهاد ، وتمكينهم من معرفتها والإقرار بها منزلة الاعتراف ، فلم يكن هناك أخذ وإشهاد وسؤال وجواب ، وباب التّمثيل باب واسع في القرآن والحديث وكلام البلغاء ، قال اللّه تعالى : فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ « 4 » . وقال الفيض رحمه اللّه في ( الصافي ) : إنّ المراد بالإشهاد إقامة الدّلائل والحجج على التّوحيد والرّبوبيّة ، ومن قولهم « بلى شهدنا على أنفسنا » أنّه ركّب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها ، حتّى صار بمنزلة الإشهاد على طريقة التّمثيل ، نظير قوله عزّ وجلّ : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، وقوله جلّ وعلا : فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ « 5 » . أقول : وإن كان يشعر بذلك قول الصادق عليه السّلام : « أنه جعل فيهم إذا سألهم أجابوه » « 6 » إلّا أنّ قوله عليه السّلام في رواية القمّي : « فمنهم من أقرّ بلسانه في الذرّ ، ولم يؤمن بقلبه » « 7 » كالصّريح في خلافه ، ويمكن القول بخلق ذريّته في صلبه بصور كالذرّ في الصّغر ، ولا مادّة لها ، وكان السؤال بلسان الملك ، والجواب بلسان مناسب لخلقهم ، أو بلسان الحال ؛ لكون عقولهم في ذلك العالم سليمة عن شوب الشّهوات والأهواء . وكانت الحكمة في ذلك كون تذكاره في عالم الدّنيا موجبا لتهييج رغبتهم إلى الإيمان . ثمّ علّل سبحانه هذا العهد بكراهته تعالى من أَنْ تَقُولُوا عند مؤاخذتكم على إنكار الربوبيّة والتّوحيد احتجاجا علينا يَوْمَ الْقِيامَةِ : ربّنا إِنَّا كُنَّا في الدّنيا عَنْ هذا الأمر غافِلِينَ وبه جاهلين ، ولا يجوز مؤاخذة الجاهل والغافل أَوْ تَقُولُوا يوم القيامة اعتذارا من شرككم : ربّنا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا الأقدمون مِنْ قَبْلُ وأخترعوا هذا الدّين وسنّوه في الدّنيا قبل ولادتنا وَكُنَّا ذُرِّيَّةً جاهلة مِنْ بَعْدِهِمْ لم يكن لنا طريق إلى معرفتك بالربوبيّة والوحدانيّة ، ولم نقدر على الاستدلال

--> ( 1 ) . فصلت : 41 / 11 . ( 2 ) . النحل : 16 / 40 . ( 3 ) . تفسير الرازي 15 : 50 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 3 : 273 . ( 5 ) . تفسير الصافي 1 : 251 . ( 6 ) . تقدم آنفا . ( 7 ) . تقدم آنفا .